شهد التنظيم في الاتحاد الأوروبي تحولًا كبيرًا منذ اعتماد أول تشريع بشأن إعادة استخدام معلومات القطاع العام في عام 2003. وقد وسّعت الاستراتيجية الأوروبية للبيانات، المعتمدة في عام 2020، هذا النهج التنظيمي من منظورين رئيسيين.
أولًا، تُشجَّع نماذج حوكمة تراعي، منذ مرحلة التصميم وبشكل افتراضي، احترام حقوق ومصالح قانونية متنوعة ذات صلة، مثل حماية البيانات الشخصية والملكية الفكرية والأسرار التجارية، وهو ما تبرزه لائحة حوكمة البيانات (Data Governance Act). ثانيًا، يمتد نطاق القواعد إلى ما يتجاوز القطاع العام، ليشمل التزامات موجهة إلى الكيانات الخاصة، كما يتضح من قانون البيانات (Data Act) المعتمد في نوفمبر 2023.
وفي هذا السياق، تكتسب فضاءات البيانات أهمية متزايدة، لا بسبب أهمية القطاعات التي تشملها فحسب (الصحة، والتنقل، والبيئة، والطاقة)، بل أيضًا لدورها الأساسي في تجاوز العقبات التقنية والقانونية أمام تبادل البيانات. وفي إسبانيا، نُصّ على ذلك قانونًا من خلال قسم خاص في منصة التعاقد للقطاع العام (Plataforma de Contratación del Sector Público).
وتنص الاستراتيجية على إنشاء «فضاء أوروبي مشترك للبيانات» للإدارات العامة، بهدف تعزيز الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد ودعم تطبيق تشريعات الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يُقرّ بتشتت البيانات وبالحاجة إلى تحسين جودتها، ولا سيما في مجال المشتريات العامة.
لماذا فضاء للبيانات في المشتريات العامة؟ نظرًا لأهمية المشتريات العامة، التي تمثل نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، يُسعى إلى تنشيط اقتصاد أكثر ابتكارًا. ورغم وفرة المعلومات المتاحة عن المشتريات العامة، فإن فائدتها الحالية لدافعي الضرائب والسلطات والمشترين تظل محدودة، بحسب المفوضية الأوروبية.
وقد شجّعت تشريعات عام 2014 استخدام الوسائل الإلكترونية في نشر المعلومات، لكنها انطوت على قيود؛ إذ لا تنطبق إلا على العقود التي تتجاوز العتبات المحددة على المستوى الأوروبي (ما يحصرها في 20% من المشتريات العامة)، وتستثني مرحلة تنفيذ العقد، ولا تشترط استخدام صيغ مفتوحة لإعادة الاستخدام الآلي للمعلومات.
ورغم التقدم المحرَز في توحيد جمع البيانات، يُقترح نهج أكثر طموحًا للاستفادة الكاملة من إمكانات بيانات المشتريات العامة. ومن المزمع إنشاء منصة للاتحاد الأوروبي تجمع أدوات قائمة على تقنيات متقدمة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي.
وتشمل المزايا اتخاذ قرارات أكثر دقة من جانب الجهات العامة، ورقابة أفضل من جانب السلطات والمجتمع، ووصولًا أكثر فاعلية للشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى المعلومات المتعلقة بإجراءات التعاقد.
ما التحديات القانونية؟ يُبرَز القصور الحالي في قصر التزام النشر على العقود التي تتجاوز العتبات الأوروبية، ما يترك معظم المناقصات خارج نطاقه ويجعل فرض التزامات إضافية رهنًا بالدول الأعضاء. وتسعى المفوضية إلى إنشاء مجموعة موحّدة من البيانات وجعل نشر إشعارات انتهاء العقود إلزاميًا للحصول على رؤية شاملة لدورة التعاقد.
وتمثل موثوقية البيانات المنشورة تحديًا آخر، إذ يُدعى إلى اعتماد نماذج معالجة آلية قائمة على البيانات لتجاوز مشكلات الرقمنة وضمان قابلية التشغيل البيني. وتتطلب المبادرة أساسًا تنظيميًا متينًا يحدد التزامات قانونية واضحة للدول الأعضاء والجهات العامة.
وخلاصة القول، يَعِد مقترح إنشاء فضاء أوروبي للبيانات في المشتريات العامة بأثر إيجابي على النشاط التعاقدي والشركات والمجتمع، لكنه يواجه تحديات قانونية تستلزم تنظيمًا متينًا ومحدَّثًا.
الابتكار ومنظومات التكنولوجيا التنظيم والامتثال
الفضاء الأوروبي للبيانات في المشتريات العامة: الفرص والتحديات والآفاق (الجزء 1)