SJD / Dr. iuris Antonio Tejeda Encinas رئيس Comite Euro Americano de Derecho Digital -CEA Digital Law | الرئيس التنفيذي لشركة Meta Channel Corporation
المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في اللغة
منذ سنوات والإنترنت يعجّ بمنصات ومشاريع تزعم أنها «ترمّز العقارات»، واعدةً بملكية مجزأة وسيولة فورية ووصول عالمي، كما لو أن مجرد حيازة رمز رقمي (توكن) يعادل ملكية حصة من عقار بآثار كاملة في مواجهة الغير. هذه الرواية، المتكررة في منظومتي العملات المشفرة والعقارات، تخفي خطأً مفاهيميًا جسيمًا: فهي تخلط بين الوسيط التكنولوجي للعملية وصحتها القانونية، وهذا الانفصال يُنتج استثمارات مبنية على معلومات مضللة، وهياكل باطلة، بل وحالات احتيال صريح في كثير من الأحيان.
المشكلة في جوهرها ليست أن تقنية البلوك تشين عديمة الفاعلية. فالبلوك تشين تؤدي ما صُممت له: إثبات أن بيانًا ما قد كُتب في لحظة معينة وأنه لم يُعدَّل. لكن هذا التوثيق التقني لا يُنشئ حقوقًا عينية، ولا ينقل الملكية، ولا يمنح النفاذ في مواجهة الكافة (erga omnes). ففي إسبانيا لا تنتقل الملكية العقارية انتقالًا صحيحًا إلا بموجب محرر رسمي موثق (escritura pública)، ولا تنفذ في مواجهة الغير إلا بالقيد في سجل الملكية العقارية (Registro de la Propiedad)؛ والرمز الرقمي لا يرتّب بذاته آثارًا ناقلة للحقوق العينية ولا يمكنه أن يحل محل هذه الشروط، لأن المادة 1280 من القانون المدني الإسباني تشترط المحرر الرسمي الموثق لنقل الحقوق العينية على العقارات، ولأن قانون الرهن العقاري (Ley Hipotecaria) يخص السجل بالحجية العامة وبحماية الغير حسن النية.
أما ما هو ممكن، ومن المستحسن قوله دون لبس، فهو الهيكلة القانونية لحقوق اقتصادية أو دائنية أو حقوق شركاء مرتبطة بعقار، شريطة أن يتم ذلك دائمًا ضمن الإطار المدني والعقاري والمالي النافذ. لكننا عندئذ لا نرمّز العقار، بل الهيكل القانوني المحيط به: حصص في شركة ذات غرض خاص، أو حقوق دائنية على تدفقات الإيجار، أو قروض تشاركية، أو سندات عقارية، أو أدوات مالية خاضعة لتوجيه MiFID II أو للائحة MiCA. وهذا التمييز ليس فارقًا أكاديميًا دقيقًا، بل هو الحد الفاصل بين ما هو ممكن قانونًا وما هو مربح على مستوى الرواية التسويقية.
ما الذي يحدث فعلًا حين يقول أحدهم إنه يرمّز عقارًا
حين تعلن منصة ما أنها «ترمّز العقارات»، فإنها في الواقع تقوم عادةً بأحد الأمور الثلاثة التالية، وليس أيٌّ منها ترميزًا للملكية العقارية بالمعنى التقني‑السجلي.
الهيكل الأول: شركة ذات غرض خاص مالكة ورموز حقوق ملكية (equity). المخطط الأكثر شيوعًا هو إنشاء شركة ذات غرض خاص (SPV) تُقيَّد مالكةً للعقار في سجل الملكية العقارية، بينما يقتني المستثمرون رموزًا رقمية تمثل حصصًا أو أسهمًا أو حقوقًا اقتصادية مرتبطة بتلك الشركة. ويبقى العقار مقيدًا باسم الشركة ذات الغرض الخاص؛ أما الرموز فهي، بالمصطلحات القانونية، حقوق ملكية (equity) أو شبه حقوق ملكية (quasi‑equity). وقد روّجت منصات مثل RealT لهذا النموذج في الولايات المتحدة: يُوجَّه كل عقار عبر شركة ذات مسؤولية محدودة (LLC)، وتمثل الرموز حصصًا فيها، وتُوزَّع الإيجارات بالعملات المشفرة، لكن المالك المقيد للعقار في السجل يظل الشركة، لا المجموع غير المحدد لحاملي الرموز (token‑holders). * تُذكر هذه الأمثلة بوصفها نماذج توضيحية لأنماط بعينها، لا حكمًا على مشروعيتها أو قانونيتها.
ومن منظور القانون العقاري، فإن المستثمر ليس مالكًا للعقار: بل هو شريك أو مساهم في شخص اعتباري هو المالك. فإذا صُفّيت الشركة أو أفلست أو وقع عليها حجز، فإن مركزه هو مركز الشريك، أو في أحسن الأحوال مركز دائن متبقٍّ. والبلوك تشين لا تغيّر هذه الحقيقة الأساسية.
الهيكل الثاني: ترميز الحقوق الدائنية والتدفقات الاقتصادية. ثمة صيغة أخرى هي ترميز الحقوق الدائنية المرتبطة بالعقار: القروض التشاركية، أو السندات، أو إيجارات الكراء، أو مخططات تقاسم الإيرادات (revenue sharing). وفي هذا النموذج لا يمثل الرمز ملكية ولا حصة في شركة، بل دَينًا: الحق في تحصيل جزء من الإيجارات أو من فائض القيمة المستقبلي. وتُعد Reental، في نشاطها في إسبانيا، مثالًا نموذجيًا على ذلك: إذ يقتني المستثمرون رموزًا تمثل قروضًا تشاركية لشركات تستغل عقارات، ويتقاضون فوائد متغيرة بحسب الإيجارات وبحسب البيع المحتمل، لكن دون اكتساب أي حق عيني على الأموال.
والإطار هنا مدني ومالي بالكامل: إذ يتعلق الأمر بديون على شركة أو كيان، قد تكون مدعومة بضمانات، لكن سجل الملكية العقارية يظل يُظهر الشركة المُصدِرة أو طرفًا ثالثًا مالكًا. فحامل الرموز دائن لا مالك؛ وإذا نشأ نزاع مع طرف ثالث قيّد حقًا عينيًا، فإن الطرف الثالث هو الذي يُرجَّح بحكم الحجية العامة للسجل.
الهيكل الثالث: تجزئة اقتصادية متنكّرة في صورة ملكية رقمية. الصيغة الأكثر إشكالًا هي تلك التي تُسوَّق فيها تجزئة اقتصادية بحتة بلغة «الملكية» (ownership) أو «حصص في العقار» (shares of the property) أو «الملكية المجزأة»، في حين أن ما يوجد فعلًا هو عقد خاص لا أثر عينيًا له في مواجهة الغير ولا انعكاس له في السجل. وفي هذه الحالات يشتري المستثمر رمزًا يتضمن وعدًا بالمشاركة في الإيجارات أو في فائض القيمة، لكنه لا يكتسب أي حق عيني، ولا سندًا يمكن الاحتجاج به في مواجهة الحجوز أو الرهون أو التصرفات اللاحقة المقيدة.
وهذه المجموعة الثالثة هي المجال الذي يسهل فيه أكثر من غيره أن يتحول التسويق إلى احتيال. فالمستثمر يظن أنه يشتري «جزءًا من الشقة»، لكنه قانونًا لا يملك سوى دين احتمالي في ذمة جهة مُصدِرة، تكون في العادة قائمة في ولاية قضائية أخرى، وكثيرًا ما تخضع لرقابة تنظيمية ضعيفة. والبلوك تشين لا تضيف أي حماية قانونية: بل تسجل فحسب وجود رمز لا يعترف به أي سجل عام سندًا.
لماذا لا يمكن للرمز الرقمي أن يكون سند ملكية عقارية
إن السبب في أن الرمز الرقمي لا يمكن أن يصبح اليوم سندًا مستقلًا للملكية العقارية لا علاقة له بالقدرات التقنية للبلوك تشين، بل يتعلق كليًا ببنية القانون العقاري بوصفه قانونًا من النظام العام.
ففي النظام الإسباني، يجوز إبرام عقد بيع العقار في محرر عرفي، لكن نقل الملكية بآثار كاملة يستلزم محررًا رسميًا موثقًا، ويستلزم لنفاذه في مواجهة الغير القيد في سجل الملكية العقارية. فالمادة 1280 من القانون المدني تشترط المحرر الرسمي الموثق لنقل الحقوق العينية على العقارات، والمادة 609 من القانون المدني تجمع بين السبب (título) وطريقة الاكتساب (modo)، ويمكن للمحرر الرسمي الموثق أن يقوم مقام التسليم الحكمي (traditio instrumental) وفقًا للمادة 1462 من القانون المدني. ومن جهته، يجعل قانون الرهن العقاري السجل محور النظام: فالقيد ليس منشئًا في جميع الأحوال، لكنه حاسم لحماية الغير حسن النية ولإضفاء الاستقرار على التعامل القانوني.
ولا تستطيع البلوك تشين أداء هذه الوظائف لأنها تفتقر إلى السمات التي يحددها النظام القانوني: فلا توجد سلطة عامة مسؤولة عن القيد، ولا رقابة مسبقة على المشروعية، ولا فحص سجلي، ولا نظام للأسبقية أو للحجية العامة، ولا آلية مؤسسية لتصحيح الأخطاء ومعالجة البطلان. فما تقدمه التكنولوجيا هو إثبات للسلامة، لا مشروعية قانونية. وتسجيل أن (أ) «ينقل» رمزًا إلى (ب) على البلوك تشين لا يجعل (ب) مالكًا مقيدًا في السجل للعقار الذي يُفترض أن هذا الرمز يمثله؛ بل يجعله، في أحسن الأحوال، صاحب حق شخصي (التزامي) في مواجهة الجهة المُصدِرة للمخطط.
وهذا المنطق ليس حكرًا على إسبانيا. بل هو جزء من تصميم مؤسسي لم تتخلَّ عنه أي دولة جادة بقدر معقول، ولا حتى تلك التي تجرّب منذ سنوات استخدام البلوك تشين في السجلات العامة.
القانون المقارن لا ينقض الأطروحة، بل يؤكدها
من منظور مقارن، الصورة واحدة: لم تجعل أي دولة الرمز الرقمي سندًا مستقلًا للملكية العقارية ذا أثر منشئ؛ وأقصى ما فعلته أنها وضعت البلوك تشين في خدمة السجل، لا في مكانه.
ففي السويد، اختبر مشروع Lantmäteriet رقمنة إجراءات نقل الملكية على البلوك تشين بهدف تقليص الوقت والتكاليف، لكن الأثر الناقل للملكية ظل مرهونًا بالسجل الحكومي: إذ استُخدمت التكنولوجيا بنيةً تحتيةً للإجراء، لا بديلًا عن النظام السجلي ولا مصدرًا مستقلًا للحقوق العينية.
وفي جورجيا، تُربط سندات الملكية بالبلوك تشين لتعزيز سلامتها وقابلية تتبعها، عبر مشاريع طُوّرت في البداية مع Bitfury، ومؤخرًا عبر اتفاقات لاستكشاف الترميز على Hedera، لكن السلطة المنشئة للحق تظل National Agency of Public Registry؛ ولا يوجد نظام يرتّب فيه مجرد نقل رمز، بمعزل عن السجل، آثارًا في مواجهة الكافة على ملكية الأرض.
وفي دبي، أطلقت دائرة الأراضي والأملاك في دبي (Dubai Land Department) «رموزًا عقارية» (property tokens) ومنصات للاستثمار المجزأ بالتعاون مع شركات خاصة، مستخدمةً البلوك تشين وسيطًا، لكن الملكية الصحيحة تظل تلك التي يعترف بها السجل العقاري الإماراتي: فالرمز يعمل انعكاسًا مُرخَّصًا للقيد السجلي وأداةً مالية، لا سندًا مستقلًا يُزيح السجل.
فالقانون المقارن، بدلًا من أن ينقض الأطروحة، يعززها. والاتجاه العالمي يسير نحو تحسين التسجيل، لا نحو الاستغناء عن السجل.
الخلط الهيكلي: الوصية الرقمية والعقود الذكية والمنظمات المستقلة اللامركزية (DAOs)
إن وهم «الملكية الأصلية على البلوك تشين» للعقارات يكرر نمطًا شوهد من قبل في مجالات أخرى: «الوصية الرقمية»، و«العقود الذكية التي تحل محل الموثق»، و«المنظمات المستقلة اللامركزية (DAOs) المالكة للعقارات» دون شخصية قانونية معترف بها. وفي جميعها يميل الحماس التكنولوجي إلى تجاهل أن ثمة مسائل لا يتركها النظام القانوني لتصرف الإرادة الخاصة ولا للتقنية وحدها، حتى لو عملت هذه التقنية على نحو لا تشوبه شائبة. يمكنكم قراءة مقالي الأخير عن الوصية الرقمية هنا
والخطأ الجوهري في جميع هذه الحالات واحد: الخلط بين الوسيط التكنولوجي للإرادة والصحة القانونية للإرادة. فقانون المواريث والقانون العقاري ونظام الحقوق العينية ليست مشكلة نقص في التكنولوجيا؛ بل هي أدوات من النظام العام غايتها حماية الغير، وضمان استقرار التعامل، وتوجيه سلطان الإرادة الخاصة عبر أشكال خاضعة للرقابة.
حين تُتجاهل الحدود، لا يكون ذلك ابتكارًا: بل خروجًا عن القانون
يمكن لترميز العقارات أن يقدّم الكفاءة والشفافية وأشكالًا جديدة من الوصول إلى الاستثمارات، لكن بشرط أن يُبنى على هيكل قانوني سليم. فحين تُقدَّم البلوك تشين بديلًا عن سجل الملكية العقارية، وحين يُوعَد بأن الرمز «هو» ملكية العقار دون محرر رسمي موثق ولا قيد، وحين تُباع أجزاء من شيء لا يعترف به النظام القانوني حقًا عينيًا، فليس ثمة ابتكار: بل خروج عن النظام القانوني وتعريض واسع للمخاطر.
في إسبانيا، كما في سائر الولايات القضائية المتقدمة، فإن الرسالة الجوهرية بسيطة ومن الأفضل صياغتها دون مواربة: لا ملكية عقارية دون سجل، ولا نقل دون ملكية. يمكن للتكنولوجيا أن تحسّن المسار، لكنها لا تستطيع أبدًا إلغاءه. وعند هذا الحد، أكثر مما في الاحتفاء غير النقدي بشعار «كل شيء قابل للترميز»، يتحدد الفارق بين منظومة تبتكر داخل إطار القانون وسوق تعيش على أوهام مفاهيمية ستنتهي إلى الحسم أمام المحاكم.
* تُذكر هذه الأمثلة بوصفها نماذج توضيحية لأنماط بعينها، لا حكمًا على مشروعيتها أو قانونيتها.