المحامي Antonio Tejeda Encinas الرئيس التنفيذي Meta Channel Corp . رئيس Comité Euro Americano Digital Law
تحليل مقارن: تنظيم التزييف العميق (deepfakes) والمحتوى المتلاعَب به في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي
وثائق الأمم المتحدة وأنظمتها:
تناولت الأمم المتحدة إشكالية التزييف العميق والتضليل الإعلامي من خلال عدة وثائق وتوصيات، أبرزها تقرير قمة AI for Good العالمية لعام 2024، وتوصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المعتمدة في عام 2021 والمحدَّثة في سبتمبر 2024. وتُعَدّ توصية اليونسكو أول إطار أخلاقي عالمي ينطبق على دولها الأعضاء البالغ عددها 194 دولة، وتركّز على الشفافية وحماية حقوق الإنسان في مواجهة المحتوى المتلاعَب به والتزييف العميق.
فضلًا عن ذلك، نشرت الأمم المتحدة المبادئ التوجيهية لحوكمة المنصات الرقمية، مع تركيز خاص على الإشراف على المحتوى وحماية حرية التعبير. وتسعى هذه المبادئ إلى وضع معايير بشأن كيفية تنظيم المعلومات المتلاعَب بها، وتفادي الإضرار بالمجتمع، وضمان عمل المنصات الرقمية بشفافية ومسؤولية.
وعلى صعيد أكثر تقنية، أصدر الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) وثيقة «AI Watermarking: A Watershed for Multimedia Authenticity»، التي تضع معايير لاستخدام العلامات المائية الرقمية (watermarking) وتقنيات كشف التزييف العميق. ويقترح هذا التقرير، الذي قُدِّم في مايو 2024، حلولًا تقنية تتيح تتبّع مصدر المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي والتخفيف من مخاطر التضليل.
نهج الاتحاد الأوروبي: لائحة الذكاء الاصطناعي (AI Act) ومدونة الممارسات:
اختار الاتحاد الأوروبي نهجًا تنظيميًا أكثر هيكلة من خلال لائحة الذكاء الاصطناعي (AI Act)، التي دخلت حيز النفاذ في أغسطس 2024. وتركّز هذه اللائحة على تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي بحسب مستوى مخاطرها، وتفرض التزامات محددة على المحتوى المتلاعَب به والتزييف العميق. وتُصنَّف تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تولّد التزييف العميق ضمن الفئة عالية المخاطر، ما يُلزم مقدّميها بإدراج وسوم واضحة تبيّن المصدر وضمان شفافية الأنظمة.
كما تحظر لائحة AI Act صراحةً استخدامات معينة، مثل التزييف العميق المستخدم للتلاعب السياسي أو الاجتماعي، إذ تعدّها «مخاطر غير مقبولة» لا يمكن السماح بها داخل أراضي الاتحاد الأوروبي. وسيُستكمل هذا التشريع في أبريل 2025 بمدونة الممارسات لمقدّمي نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي للأغراض العامة (GPAI)، التي ستوفّر مبادئ توجيهية أخلاقية وتقنية لإنشاء هذه النماذج، وإن كان اعتمادها طوعيًا.
الطابع العابر للحدود الإقليمية للائحة AI Act:
رغم أن لائحة AI Act تنطبق مباشرة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإن طابعها العابر للحدود الإقليمية ينطوي على آثار عالمية. فأي شركة خارج الاتحاد الأوروبي ترغب في العمل في السوق الأوروبية أو معالجة بيانات مواطنين أوروبيين يجب أن تمتثل لهذه الأنظمة. ويعني ذلك أن الشركات في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وآسيا سيتعين عليها التكيف مع هذه المعايير إذا رغبت في تقديم خدماتها في أوروبا. ويُحدث هذا النهج أثر الدومينو، مؤثرًا في الطريقة التي تضع بها المناطق والدول الأخرى أنظمتها الخاصة للذكاء الاصطناعي.
مشاريع دولية أخرى:
على الصعيد الدولي، تُبذل جهود أخرى للحوكمة العالمية، مثل إعداد الأمم المتحدة لمعاهدة الجرائم السيبرانية، التي تسعى إلى إنشاء إطار قانوني لمكافحة الجرائم السيبرانية وحماية المجتمعات من الاستخدام الخبيث للتزييف العميق. ورغم أن هذه العملية كانت مثار جدل وتواجه انتقادات بسبب غياب التوافق، فإنها تمثل جهدًا نحو ترسيخ اتفاق عالمي ملزِم.
مستقبل من القواعد المتكاملة:
يقوم نهج الأمم المتحدة على التعاون العالمي ووضع معايير تقنية وأخلاقية تنطبق على جميع أعضائها، تشمل مجالات تمتد من الأخلاقيات والحوكمة الرقمية إلى الكشف التقني عن التزييف العميق. أما الاتحاد الأوروبي، فيطبّق إطارًا تنظيميًا أكثر تحديدًا وإلزامًا من خلال لائحة AI Act، ما يتيح له التحرك بسرعة داخل أراضيه وإرساء سوابق عالمية.
وفي حين يركّز الاتحاد الأوروبي على التطبيق الفوري وحماية الحقوق الأساسية، تقدّم الأمم المتحدة منظورًا أكثر شمولًا وقابلية للتكيف مع السياقات المختلفة. وفي نهاية المطاف، سيكون التعاون بين الإطارين أساسيًا لوضع معيار عالمي يحمي المجتمعات من مخاطر التزييف العميق وغيره من الاستخدامات الخبيثة للذكاء الاصطناعي التوليدي.