تقنية Blockchain وتمويل Web3 جيوسياسة التكنولوجيا قانون الشركات والتقاضي

المملكة العربية السعودية «لم» ترمِّز عقارًا

المملكة العربية السعودية لم ترمِّز عقارًا. لقد أصابت قلب نظام تحميه أوروبا منذ قرنين.

في الرياض، يُصدر وزيرٌ قرارًا، ودون أي إجراء آخر، يُجزَّأ صك ملكية عقارية حقيقي إلى وحدات رقمية مرتبطة مباشرة —حرفيًا «linked»— بالسجل الحكومي. يُتداول، ويُنقل، ويُسوّى. يعمل فعلًا. حقيقي. دون استئذان أحد.

وفي أوروبا، في الوقت نفسه، تناقش لجنة قانونية ما إذا كان بوسع كاتب العدل (الموثِّق) أن يقبل عقدًا ذكيًا (smart contract) دون أن يزعزع الصرح القانوني المشيَّد منذ 1862. هذا هو الفرق. وهو مؤلم.

لأن الأمر لا يتعلق بالتكنولوجيا. فالتكنولوجيا نملكها جميعًا. الأمر يتعلق بمن يتحكم في البنية المؤسسية التي تمنح الحياة للحق العيني.

في المملكة العربية السعودية هناك مركز قرار واحد. أما في أوروبا فلا توجد نقابة واحدة: بل سبع وعشرون منظومة مهنية —سجلات، وهيئات توثيق، وهيئات مهنية— تعيش على بقاء الملكية تعمل كما كانت قبل قرنين.

لائحة MiCA عمل تنظيمي متقن. تضعنا في الصدارة في الإدارة الرقمية للرمز. لكن ما إن يحاول الرمز المساس بصك الملكية حتى يظهر الجدار: الحجية الرسمية المفوَّضة (fe pública delegada)، ومبدأ الحصر العددي للحقوق العينية (numerus clausus)، والحضور الشخصي الإلزامي، ورسوم لا يناقشها أحد، وسجل لا يزال يعمل كما في القرن التاسع عشر، ولكن باتصال أفضل (واي فاي).

إسبانيا ليست الاستثناء. إنها الحالة الأوضح. فهنا يتمتع سجل الملكية العقارية (Registro de la Propiedad) باستقلالية وظيفية هائلة، ولا يزال كاتب العدل الحارس الإلزامي للعقد. ولا أحد —لا السياسيون ولا الجهات التنظيمية— يجرؤ على طرح أن سجلًا حكوميًا (ledger) ربما يستطيع أداء جزء من تلك الوظائف دون تقاضي 1,200 يورو عن كل رهن عقاري.

تحافظ إيطاليا على سجل مساحي (Catasto) لم تفلح أي خطة رقمية في زحزحته. وتحافظ فرنسا على احتكار للتوثيق جدير بنابليون. وتُبقي ألمانيا على كتّاب عدل إقليميين لكل دائرة كأنهم إقطاعيات. وتغلق البرتغال وإيطاليا باب الولوج المهني بحصر عددي (numerus clausus) منيع. وتُبقي المكسيك والبرازيل على مكاتب التوثيق والتسجيل (cartórios) التي تتجاوز سلطتها المحلية سلطة كثير من الجهات التنظيمية.

الجميع يرقمن الإجراءات. ولا أحد يتنازل عن السلطة.

تقدّمت الأرجنتين بسرعة: القرار العام RG 1069، والقرار العام RG 1081. ترميز العقارات، والصناديق الاستئمانية (fideicomisos)، وصناديق الاستثمار، والآلات، والفواتير. لكن في النهاية، لا يزال كاتب العدل (escribano) هناك، ولا يزال الأمين (fiduciario) هناك، ولا تزال Caja de Valores هناك، ولا يزال الصك التقليدي هو صاحب الكلمة الفصل.

المؤسسات لا تختفي. بل يُعاد تشكيلها. وفي أثناء إعادة تشكيلها، تُعرقل.

المملكة العربية السعودية لا تعاني هذه المشكلة. فهي لا تحتاج إلى التفاوض مع أحد.

في 2026 ستنشر المعايير التقنية، وإن شاءت، سيتحول نموذج «linked to official records» القائم اليوم إلى نموذج يكون فيه السجل الحكومي (ledger) المرجع التشغيلي الرئيسي للحق العيني.

أما أوروبا في 2026 فستظل تناقش ما إذا كان يمكن إدراج بصمة رقمية (hash) في محرر توثيقي دون أن ينهار النظام. لا تصنع العرقلة هيئة مهنية واحدة. بل تصنعها بنية مؤسسية كاملة —التوثيق، والسجل، والسجل المساحي، والرسوم، والاختصاصات الإقليمية، ومبادئ الرهن العقاري— صُمّمت كي لا تتغير الملكية على نحو مفاجئ.

هذا ليس سباقًا تكنولوجيًا. إنه تنفيذ مؤسسي يجري في الوقت الفعلي.

الإهانة ليست فيما لا نعرف فعله. بل فيما لا نستطيع فعله دون إذن من هياكل أُنشئت لتُديم نفسها.

بالطبع، ليس التوثيق هو السبب، بل هو ترس آخر من التروس. فالنظام في مجمله مبني للحفاظ على الاستقرار، لا لاستيعاب الابتكار الهيكلي.

أوروبا لا تعمل بنقابات معزولة. بل تعمل ببنى مؤسسية يتشابك بعضها مع بعض:

– التوثيق – سجل الملكية العقارية – السجل المساحي – النقابات المهنية – الرسوم – الاختصاصات الإقليمية – الاجتهاد القضائي المستقر – وزارات ذات وظائف موروثة – توجيهات أوروبية بحد أدنى مشترك – تشريع مدني تاريخي – الحصر العددي للحقوق العينية – الحجية الرسمية المفوَّضة – مبادئ الرهن العقاري الموروثة من القرن التاسع عشر

وهذه هي الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها: في العقد المقبل، ستكون الملكية الرقمية كاملة حيث لا تعرقلها المؤسسات…، وستظل انعكاسًا شكليًا حيث تحمي المؤسسات نفسها بذريعة حماية المواطن.

مرحبًا بكم في العالم الحقيقي. هنا لا يفوز من يبرمج أفضل. بل يفوز من يملك القدرة المؤسسية على استخدام التكنولوجيا حيث يهم: في صك الملكية.

المملكة العربية السعودية تملكها بالفعل. وأوروبا لا تزال تطلب الإذن بالكلام.

الدليل الأخير؟ شركات Big Four الكبرى تُصدر منذ عشر سنوات فواتير استشارات blockchain لهيئات التوثيق والسجلات نفسها التي تعود فتكبح التبنّي في مرحلة «الجدوى القانونية».

هم يتقاضون ثمن التقرير. ونحن ندفع ثمن الجمود.

إنه تصميم مؤسسي متعمَّد. أوروبا لا تعرقل لأنها لا تعرف كيف تتقدم؛ بل تعرقل لأنها صُمّمت كي لا تتقدم بسرعة.

بقلم Antonio Tejeda Encinas رئيس اللجنة الأوروبية الأمريكية للقانون الرقمي – CEA Digital Law

النشرة الإخبارية

رؤى استراتيجية تصلكم إلى بريدكم الإلكتروني

تحليلات تنظيمية ومذكرات عن حالات عملية من الولايات القضائية التي نعمل فيها. ويمكنكم إلغاء الاشتراك في أي وقت.