بقلم Antonio Tejeda Encinas ، رئيس Comité Euro Americano Digital Law ، الرئيس التنفيذي لشركة Meta Channel Corp
قُدِّم تنظيم الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي على أنه جهد رائد لضمان أن يحترم التطوّر التكنولوجي الحقوق الأساسية. ومع ذلك، عند تحليل المادة 5 من لائحة الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي (AI Act) ، يبرز قلق مشروع: هل نحن حقًا أمام إطار حماية متين، أم أمام بنية تنظيمية تُشرع أبوابها على مصراعيها لتفسيرات خطيرة؟
1. وعد بحظر يذوب في الاستثناءات
للوهلة الأولى، تنصّ المادة 5 على حظر يبدو قاطعًا: يُحظر استخدام أنظمة التعرّف البيومتري عن بُعد في الوقت الفعلي في الأماكن العامة. غير أن هذا الحظر سرعان ما يتحوّل إلى إعلان ملتبس عند فحص الاستثناءات المسموح بها. إذ يُجاز استخدامها في حالات:
* البحث عن الأشخاص المفقودين، وهو مبرّر مشروع لكنه ينطوي على مخاطر محتملة لإساءة الاستخدام.
* منع الجرائم الخطيرة، وهو معيار فضفاض جدًا ما لم تُحدَّد بدقة الجرائم التي تدخل في هذه الفئة.
* مكافحة الإرهاب، وهي حجة متكررة استُخدمت في الماضي لتبرير تدابير مراقبة تدخّلية.
تكمن المشكلة الجوهرية في مرونة مفهوم «الضرورة القصوى»، وهو مصطلح غير محدّد قانونًا يتيح للدول الأعضاء تفسير هذه الاستثناءات وفقًا لمصالحها الخاصة.
متى يكون التهديد وشيكًا حقًا؟ وما المقصود بـ”خطر جوهري”؟
ومن دون معايير صارمة وآليات رقابة مستقلة، قد تنتهي هذه الأحكام إلى إضفاء الشرعية على الاستخدام المعمّم لتقنيات المراقبة الجماعية بذريعة الأمن العام.
2. الغموض التنظيمي: صدع في الأمن القانوني
تترك الصياغة المستخدمة في اللائحة هوامش واسعة للسلطة التقديرية. فعبارات مثل «التهديد الوشيك» أو «الخطر الجوهري» تفتقر إلى تعريف واضح، ما يولّد حالة من عدم اليقين لدى المواطنين ولدى السلطات المكلّفة بتطبيقها على حدّ سواء. وفي بيئة يندمج فيها الذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر في صنع القرارات الحكومية والشُّرطية، قد يفضي غياب الوضوح إلى تعسّف خطير.
والعواقب المحتملة لهذا الافتقار إلى الدقة مثيرة للقلق:
* توسّع المراقبة الجماعية: في غياب حدود واضحة، قد تبرّر الدول استخدام أدوات التعرّف على الوجه هذه في سياقات أوسع بكثير مما هو متوقّع.
* انعدام الأمن القانوني: في غياب معايير موحّدة، قد تطبّق كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي القاعدة بطريقة مختلفة، ما يقوّض الحماية المتجانسة التي ينبغي أن يكفلها التشريع الأوروبي.
* تآكل الحق في الخصوصية: قد يؤدي غياب الرقابة على استخدام التعرّف البيومتري إلى مراقبة شاملة في كل مكان، تجعل من المألوف مجتمعًا يكون فيه كل مواطن مراقَبًا على الأرجح في كل لحظة.
3. دور الشركات الكبرى: تنظيم أم استحواذ تنظيمي؟
من المهم تحليل الجهات التي أثّرت في صياغة لائحة الذكاء الاصطناعي. فقد أعربت شركات تكنولوجيا كبرى مثل Amazon وGoogle وOpenAI عن دعمها لهذا التنظيم، لا لأنه يقيّد نفوذها، بل لأنه يتيح لها العمل ضمن إطار تنظيمي يمنحها هامش مناورة كافيًا. وقد دعت هذه الشركات إلى «الاستخدام المسؤول» للذكاء الاصطناعي، لكنها في الواقع طوّرت أدوات للمراقبة الجماعية وروّجت لها، وهي أدوات قد تستفيد من مواطن الغموض التنظيمي.
ومن هذا المنظور، تواجه اللائحة خطر التحوّل إلى أداة للاستحواذ التنظيمي، حيث تنتهي القاعدة، بدلًا من تقييد نفوذ هذه الشركات، إلى إضفاء الشرعية على تأثيرها عبر وضع إطار قانوني ييسّر توسّعها دون قيود حقيقية.
4. حل حقيقي أم مجرد محاكاة تنظيمية؟
لكي تفي لائحة الذكاء الاصطناعي بوعدها في حماية المواطنين، لا بدّ من إدخال تحسينات جوهرية على الرقابة على أحكامها وتطبيقها. ومن التدابير الأساسية في هذا الصدد:
1. التعريف الدقيق للمفاهيم الرئيسية: يجب أن تكون مصطلحات مثل «الضرورة القصوى» و«التهديد الوشيك» و«الخطر الجوهري» محدّدة، وألّا تترك مجالًا للتفسيرات المتساهلة.
2. الرقابة المستقلة على الاستثناءات: يجب أن يخضع أي استخدام للتعرّف البيومتري في الأماكن العامة لرقابة قضائية أو لهيئة مستقلة تتمتع بسلطة فعلية لفرض العقوبات.
3. الشفافية التامة في التطبيق: يجب أن تخضع قوات الأمن والهيئات الحكومية للمساءلة عن متى تستخدم هذه الأدوات وكيف ولماذا.
4. ضمان ألّا يتحوّل التنظيم إلى طريق نحو المراقبة الجماعية: من دون حدود صارمة، قد يجعل التنظيم من المألوف حالة من المراقبة المفرطة تتعارض مع المبادئ الديمقراطية الأوروبية.
نختم بالتأكيد على أن التنظيم يحتاج إلى تعديلات عاجلة
تعكس المادة 5 من لائحة الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي نية تنظيمية ضرورية، لكن تنفيذها قاصر في جوانب رئيسية. فالاستثناءات التي تجيزها واسعة جدًا، والمصطلحات المستخدمة غير دقيقة، والرقابة على تطبيقها غير كافية. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يريد حقًا ضمان حماية الحقوق الأساسية في عصر الذكاء الاصطناعي، فعليه أن يصحّح هذه العيوب قبل أن تتحوّل القاعدة إلى أداة أخرى للسيطرة الجماعية، بدلًا من أن تكون درعًا للمواطنين.