الذكاء الاصطناعي

جزر الكناري أمام الثورة الرقمية: توجيه NIS 2 والقدرة التنافسية وتحدّي النموذج الاقتصادي للجزر

بقلم Antonio Tejeda Encinas ، رئيس Comité Euro Americano Digital Law ، الرئيس التنفيذي لشركة Meta Channel Corp
1. نقطة تحوّل: توجيه NIS 2 والأمن السيبراني في الاتحاد الأوروبي
يمرّ الأمن السيبراني في أوروبا بمرحلة حاسمة. فقد نشرت وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني (ENISA) تقريرها “NIS Investments 2024” ، الذي تحلّل فيه أثر الانتقال إلى توجيه NIS 2 ، وهو تنظيم يعزّز التزامات الشركات في مجال الأمن الرقمي. ولا يتعلّق الأمر بمجرد تعديل تنظيمي، بل بتغيير عميق في الطريقة التي يجب أن تتعامل بها الشركات مع المخاطر السيبرانية.
وتوضح الدراسة، المستندة إلى استطلاع واسع شمل أكثر من 1350 مؤسسة في الدول الأعضاء الـ 27، أن الاستثمار في الأمن السيبراني قد ازداد ليبلغ 9% من ميزانية تقنية المعلومات في كثير من الشركات، لكنها تطرح أيضًا جملة من التحديات تتجاوز المال بكثير. فنقص الكفاءات المتخصصة بات مشكلة هيكلية: فعلى الرغم من تزايد الطلب، انخفض عدد الموظفين المخصّصين للأمن السيبراني للعام الرابع على التوالي، ما يبيّن أن قدرة الشركات على الامتثال لتوجيه NIS 2 لا تتوقف على مواردها المالية فحسب، بل أيضًا على قدرتها على استقطاب الكفاءات المؤهلة والاحتفاظ بها.
ومع ذلك، فإن الوعي بهذا التنظيم مرتفع. فجميع المؤسسات المشاركة في الاستطلاع تقريبًا تعلم أن عليها الامتثال للتوجيه، لكن السؤال يبقى: هل هي مستعدة فعلًا لذلك؟ وهنا تدخل جزر الكناري إلى المشهد، لأن التحديات التي تواجهها بقية أوروبا تتضاعف في سياق جزري كسياق هذه الجزر.
2. جزر الكناري أمام توجيه NIS 2: تحدٍّ يضع قدرتها التنافسية على المحك
لا تواجه جميع المناطق الرقمنة بالأدوات نفسها، وفي حالة جزر الكناري يأتي التكيّف مع توجيه NIS 2 مصحوبًا بصعوبات إضافية تجعل الأمن السيبراني ليس مسألة تقنية فحسب، بل انعكاسًا أيضًا للمشكلات الهيكلية التي يعاني منها اقتصاد الأرخبيل منذ زمن.
لا تزال الكفاءات الرقمية في الجزر نادرة، ليس فقط لأن التدريب في مجال الأمن السيبراني لم ينتشر بعد بالقدر الكافي، بل أيضًا لأن بعض من يكتسبون هذه المهارات ينتهي بهم الأمر إلى البحث عن فرص في الخارج.
إن هجرة الكفاءات، وهي مشكلة متكررة في جزر الكناري، تتحوّل إلى عقبة حقيقية حين نتحدث عن الأمن الرقمي، لأنه من دون مهنيين مؤهلين لا تملك الشركات المحلية سوى فرص ضئيلة للوفاء بمتطلبات التنظيم الجديد.
ولكن أبعد من نقص المتخصصين، يكمن التحدي الحقيقي في الطريقة التي تنظر بها شركات جزر الكناري إلى الأمن السيبراني. ففي نسيج اقتصادي تهيمن عليه الشركات الصغيرة والمتوسطة، يعمل كثير منها بهوامش ربح ضيقة، لا يزال يُنظر إلى الأمن الرقمي على أنه تكلفة إضافية لا استثمار استراتيجي. والمشكلة أن هذه الذهنية تصطدم مباشرةً بتوجيه NIS 2، الذي يجعل الأمن السيبراني التزامًا قانونيًا لا مفرّ منه.
ويُضاف إلى ذلك عامل آخر يعقّد الانتقال: فالبنية التحتية الرقمية في جزر الكناري لا تزال تعتمد إلى حدّ كبير على مشغّلين خارجيين وعلى اتصال لا يرقى دائمًا إلى مستوى المتطلبات الحالية. وفي اقتصاد عالمي يمكن فيه للهجمات السيبرانية أن تضع أي شركة في مأزق خلال دقائق، فإن غياب بنية تحتية متينة قد يجعل الامتثال لتوجيه NIS 2 أكثر تعقيدًا لكثير من المؤسسات المحلية.
3. المشكلة ليست الأمن السيبراني وحده: إنها النموذج الاقتصادي
ليس الأمن السيبراني سوى قطعة واحدة من قطع كثيرة في هذا اللغز. فتوجيه NIS 2 يطرح مشكلة أكبر: ضعف القدرة التنافسية لجزر الكناري في البيئة الرقمية. فعلى مدى عقود، اعتمد الأرخبيل على نموذج اقتصادي قائم على السياحة وعلى قطاعات تقليدية قاومت التحوّل الرقمي. وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجية نجحت إلى حدّ ما، فإن العالم قد تغيّر، ولم يعد بوسع جزر الكناري أن تواصل العمل وفق نموذج تظهر عليه بوضوح علامات الإنهاك.
والمشكلة ليست الاعتماد على السياحة فحسب، بل عجز الشركات عن الابتكار والتكيّف مع الواقع الرقمي الجديد. فبينما دفعت مناطق أخرى بقطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والأتمتة، لا يزال النقاش في جزر الكناري يدور حول المشكلات نفسها المعتادة: ضعف التنويع الاقتصادي، والبيروقراطية التي تكبح نمو الأعمال، وصعوبة جذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية.
وبطبيعة الحال، هناك مسألة سوق العمل. فالفجوة بين ما يطلبه أصحاب الأعمال وما يطالب به العمّال تواصل الاتساع. فمن جهة، تحتجّ الشركات بأن تكاليف العمل مرتفعة جدًا بحيث لا تسمح لها بالمنافسة؛ ومن جهة أخرى، يصرّ الموظفون على أن الأجور لا تكفي لتغطية تكاليف المعيشة. وفي خضمّ هذا التصادم في المصالح، تظل الإنتاجية منخفضة ويتحوّل الانطباع بأن “لا أحد يريد العمل” إلى أمر ثابت، مع أن المشكلة في حالات كثيرة ليست غياب الرغبة، بل انعدام الحوافز الحقيقية لتحسين الأداء والكفاءة.
4. إعادة ابتكار جزر الكناري: الحاجة إلى تغيير هيكلي
إذا كانت جزر الكناري تريد ألّا تكتفي بالامتثال لتوجيه NIS 2، بل أن تصبح مرجعًا في الاقتصاد الرقمي، فهي بحاجة إلى استراتيجية واضحة. فالحل لا يكمن في الاستمرار في فعل الشيء نفسه وانتظار نتائج مختلفة، بل في تحويل البنية الإنتاجية وبنية العمل في الأرخبيل.
ولتحقيق ذلك، لا بدّ أن تبدأ الشركات والمؤسسات في النظر إلى النظام الاقتصادي والضريبي لجزر الكناري (REF Canarias، وهو نظام خاص تعترف به إسبانيا والاتحاد الأوروبي للأرخبيل) على أنه أكثر من مجرد آلية لتخفيف العبء الضريبي عن القطاعات التقليدية. فإذا طُبّق بصورة استراتيجية لجذب شركات التكنولوجيا، يمكن للجزر أن تتحوّل إلى قطب للابتكار والأمن السيبراني في المحيط الأطلسي، مستفيدةً من موقعها الجغرافي وارتباطها بأوروبا وأمريكا اللاتينية.
لكن جذب الشركات لا يكفي. فمن الضروري أيضًا تأهيل الكفاءات المحلية، لأنه من دون متخصصين في الأمن السيبراني والتكنولوجيا ستبقى أي محاولة للرقمنة سطحية. ويمكن لإنشاء مراكز تدريب متقدمة في الأمن الرقمي واعتماد نماذج العمل الهجين أن يساعدا مزيدًا من المهنيين المؤهلين على اتخاذ قرار البقاء في الجزر بدلًا من البحث عن فرص في الخارج.
أما سوق العمل، فيحتاج من جهته إلى تحديث عاجل. ولا يتعلق الأمر بخفض الأجور ولا بفرض مزيد من الضرائب على الشركات، بل باعتماد نماذج تكافئ الإنتاجية والكفاءة، بدلًا من البقاء أسرى نظام يقيس العمل بالساعات لا بالنتائج.
وأخيرًا، يجب أن يضطلع القطاع العام بدور رئيسي. فلا يكفي فرض تنظيمات مثل توجيه NIS 2؛ بل يجب تيسير الانتقال الرقمي بالحوافز والإرشاد وبمنظومة أعمال تشجّع الاستثمار في الابتكار. وإذا لم تأخذ جزر الكناري هذا التحوّل على محمل الجدّ، فستواصل خسارة قدرتها التنافسية في عالم لم يعد فيه الاقتصاد الرقمي هو المستقبل، بل الحاضر.
5. الخلاصة: التكيّف أو التخلّف عن الركب
إن التحدي الحقيقي لتوجيه NIS 2 ليس مجرد الامتثال للتنظيم، بل إدراك أن الرقمنة والأمن السيبراني هما أساس أي اقتصاد حديث. وأمام جزر الكناري طريقان: إما أن تواصل العمل وفق نموذج استُنفد، وإما أن تغتنم هذه الفرصة لإعادة تصميم مستقبلها.
لقد ولّى زمن التشخيص. وحان الآن وقت القرار: هل يريد الأرخبيل أن يصبح مرجعًا في الابتكار، أم أن يبقى أسير جمود مشكلاته؟ لأن المستقبل لا ينتظر. فإما أن نتكيّف، وإما أن نتخلّف عن الركب.

النشرة الإخبارية

رؤى استراتيجية تصلكم إلى بريدكم الإلكتروني

تحليلات تنظيمية ومذكرات عن حالات عملية من الولايات القضائية التي نعمل فيها. ويمكنكم إلغاء الاشتراك في أي وقت.