التوسّع العالمي والاستراتيجية

نقد لا بد منه، 200 مليار للذكاء الاصطناعي: استثمار واقعي أم سراب تكنولوجي؟

بقلم Antonio Tejeda Encinas ، رئيس Comite Euro Americano Digital Law ، والرئيس التنفيذي لشركة Meta Channel Corp
نواصل الحديث عن قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي في باريس، 10 و11 فبراير 2025
قررت أوروبا أن تضرب بقبضتها على الطاولة. فبمبلغ 200 مليار يورو، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الدخول بكل ثقله في السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي من خلال مبادرة InvestAI (قمة باريس).
الرهان طموح: بنية تحتية ذاتية، وكفاءات أوروبية، وتطوير تكنولوجي متوافق مع قيم الاتحاد. غير أن النقد، بعد النشوة الأولى، يجب أن يكون حازمًا. (وفي يوم آخر سأؤدي دور الشرطي الطيب).
💡 هل يمكن لهذا الاستثمار حقًا أن يحوّل أوروبا إلى رائدة في الذكاء الاصطناعي، أم أنه مجرد رد فعل متأخر يفتقر إلى أسس متينة؟
للإجابة، لا بد من تحليل ما يلزم فعلًا لقيادة الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت أوروبا تملك ما يلزم لتحقيق ذلك.
🌍 1. هل يستطيع المال سد الفجوة مع الولايات المتحدة والصين؟
الريادة في الذكاء الاصطناعي لا تُشترى، بل تُبنى على أساس البنية التحتية التكنولوجية، والنفاذ إلى البيانات، والكفاءات، والتنظيم الاستراتيجي.
وعند مقارنة أوروبا بمنافسيها، تبدو الفوارق جلية.
🇺🇸 الولايات المتحدة: ابتكار بلا قيود
✅ هيمنة مطلقة على العتاد: تتحكم Nvidia وIntel وAMD في إنتاج الرقائق المتقدمة.
✅ منظومة خاصة بلا بيروقراطية: يتدفق الاستثمار من دون قيود تنظيمية كبيرة.
✅ بيانات وكفاءات مركّزة: تتمتع OpenAI وGoogle وMicrosoft بإمكانية الوصول إلى أفضل الخبراء وإلى ملايين البيانات.
🇨🇳 الصين: استثمار ضخم وسيطرة على السوق
✅ تصنيع ذاتي لأشباه الموصلات ودعم حكومي قوي لعمالقة مثل Alibaba وBaidu.
✅ نفاذ غير محدود إلى البيانات بفضل منظومة رقمية بلا قيود.
✅ استراتيجية طويلة الأمد، متوافقة مع مصالحها الصناعية والعسكرية.
🇪🇺 أوروبا: تبعية تكنولوجية ولوائح صارمة
❌ لا تنتج رقائقها الخاصة، وتعتمد على Nvidia وAMD.
❌ لا تملك نفاذًا واسعًا إلى البيانات بسبب قواعد الخصوصية المقيِّدة.
❌ تنظيم مفرط يبطئ الابتكار مقارنةً بمنافسيها.
💭 وهنا يبرز الشك الكبير الأول: كيف تعتزم أوروبا المنافسة إذا ظلت معتمدة تكنولوجيًا على منافسيها؟
⚠️ 2. مشكلات هيكلية تحد من أثر الاستثمار
🏭 2.1. مصانع عملاقة للذكاء الاصطناعي بلا رقائق ذاتية
قُدِّم الإعلان عن المصانع العملاقة للذكاء الاصطناعي ضمن InvestAI بوصفه تقدمًا حاسمًا:
🔴لكن من دون أشباه موصلات أوروبية، تبقى استقلاليتها معدومة.
🔴 ومن دون صناعة رقائق ذاتية، سيظل أي نموذج أوروبي للذكاء الاصطناعي مرتبطًا بموردين أجانب.
🔴 مثال بالغ الدلالة: قيّدت الولايات المتحدة تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين. فماذا سيحدث لو قررت في المستقبل أن تفعل الشيء نفسه مع أوروبا؟
📊 2.2. ذكاء اصطناعي بلا نفاذ إلى البيانات الضخمة
تمنع لوائح AI Act (لائحة الذكاء الاصطناعي) تدريب النماذج على أحجام كبيرة من البيانات، مما يحد من قدرتها في مواجهة OpenAI أو Google.
مثال: بينما تدرّب الولايات المتحدة نماذجها على بيانات آلاف المنصات، يخضع جمع البيانات في أوروبا لقيود الخصوصية والموافقة الفردية.
من دون بيانات، لا ذكاء اصطناعي قادرًا على المنافسة.
📜 2.3. لوائح تكبح الابتكار
بينما تتقدم الولايات المتحدة والصين من دون قيود، يفرض الاتحاد الأوروبي قواعد معقدة تبطئ تطوير نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي.
تفرض لائحة AI Act عوائق لا تواجهها الشركات الأمريكية والصينية، مما يحد من قابلية الشركات الناشئة الأوروبية للتوسع.
🌍 2.4. التجزؤ الداخلي في الاتحاد الأوروبي
لكل بلد استراتيجيته الخاصة في الذكاء الاصطناعي، مما يعقّد التنسيق والنفاذ الموحد إلى التمويل والبنى التحتية.
أي إن فرنسا وألمانيا وإسبانيا، على سبيل المثال، اعتمدت استراتيجيات خاصة في الذكاء الاصطناعي بتمويل وطني وأولويات مختلفة:
🔴 تراهن فرنسا على السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي، باستثمارات كبيرة في الحوسبة الفائقة.
🔴 تعطي ألمانيا الأولوية للذكاء الاصطناعي الصناعي والتصنيعي، المرتبط بريادتها في الأتمتة.
🔴 ركزت إسبانيا استراتيجيتها على الذكاء الاصطناعي الأخلاقي ورقمنة الشركات الصغيرة والمتوسطة.
بينما تنمو الشركات في الولايات المتحدة والصين في ظل إطار تنظيمي واحد، يتعين عليها في الاتحاد الأوروبي التنقل بين 27 تشريعًا مختلفًا.
💸 3. إلى أين يذهب المال فعلًا؟
الاستثمار البالغ 200 مليار كبير، لكنه موجّه على نحو خاطئ.
📌 البنية التحتية؟ من دون رقائق ذاتية، ستبقى معتمدة على الولايات المتحدة.
📌 نماذج الذكاء الاصطناعي؟ من دون نفاذ إلى البيانات، لن تتمكن من منافسة OpenAI أو DeepMind.
📌 الكفاءات؟ من دون ظروف جاذبة، سيواصل الخبراء الأوروبيون الرحيل إلى وادي السيليكون.
🚨 الاستثمار من دون معالجة أوجه القصور هذه أشبه ببناء ناطحة سحاب على الرمال.
🛠️ 4. ما الذي ينبغي لأوروبا فعله كي لا تهدر هذا الاستثمار؟
لا يكمن المفتاح في إنفاق المال فحسب، بل في إنشاء منظومة تكنولوجية مستدامة. ولتحقيق ذلك، تحتاج أوروبا إلى:
🔧 4.1. الاستقلالية في أشباه الموصلات
✅ استثمار عاجل في الإنتاج الذاتي للرقائق حتى لا تعتمد على الولايات المتحدة وآسيا.
✅ تحفيز الشركات الأوروبية مثل ASML (شركة هولندية، وهي الشركة الوحيدة في العالم القادرة على تصنيع آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)) على تطوير معالجات مخصصة للذكاء الاصطناعي.
📂 4.2. النفاذ إلى البيانات من دون المساس بالخصوصية
✅ إضفاء مزيد من المرونة على لائحة AI Act للسماح بتدريب أكثر تقدمًا للذكاء الاصطناعي من دون المساس بالخصوصية.
✅ إبرام اتفاقات داخلية لتبادل البيانات على نحو أخلاقي بين بلدان الاتحاد الأوروبي.
🎓 4.3. تنمية الكفاءات وتجنب هجرة العقول
✅ تقديم حوافز ضريبية وظروف أفضل للاحتفاظ بالباحثين الأوروبيين.
✅ إنشاء مراكز أبحاث في الذكاء الاصطناعي برواتب وموارد قادرة على المنافسة عالميًا.
🤝 4.4. توحيد استراتيجية الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي
✅ القضاء على التجزؤ ووضع إطار تنظيمي واحد للذكاء الاصطناعي في أوروبا كلها.
✅ تبسيط الإجراءات البيروقراطية لجذب الاستثمار وتيسير نمو الشركات الناشئة التكنولوجية.
🏁 5. استثمار استراتيجي أم فشل معلن؟
راهنت أوروبا بقوة، لكن من دون معالجة نقاط ضعفها الهيكلية، تواجه InvestAI خطر أن تكون مبادرة بأموال كثيرة وأثر فعلي ضئيل.
💰 لن تجدي 200 مليار نفعًا إذا ظلت أوروبا معتمدة على الولايات المتحدة والصين في العتاد، وإذا قيّدت النفاذ إلى البيانات وفرضت عوائق تنظيمية تخنق الابتكار.
💡 الاستثمار ضروري، لكنه من دون استراتيجية سيتحول إلى إنفاق بلا عائد.
🔍 أسئلة رئيسية ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي في أوروبا
هل ستتمكن أوروبا من تصنيع رقائقها الخاصة لضمان استقلالها التكنولوجي؟
هل سيراجع الاتحاد الأوروبي إطاره التنظيمي حتى لا يخنق الابتكار؟
هل يستطيع حقًا منافسة الولايات المتحدة والصين، أم أنه محكوم بأن يكون فاعلًا ثانويًا في الذكاء الاصطناعي العالمي؟
🏁 فرصة أخيرة أم انتحار استراتيجي؟
لا تقامر أوروبا بريادتها التكنولوجية فحسب، بل بسيادتها الجيوسياسية أيضًا. فاستثمار 200 مليار من دون معالجة تبعيتها في الرقائق والبيانات والكفاءات ليس مجرد خطأ: إنه انتحار استراتيجي.
إذا فشلت InvestAI، فسيواجه الاتحاد الأوروبي مستقبلًا لا يخسر فيه المعركة التكنولوجية فحسب، بل يخسر أيضًا استقلاليته الاقتصادية والسياسية. فالأمر لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي وحده، بل بما إذا كانت أوروبا ستصبح قوة رقمية أم ستُختزل إلى مستعمرة تكنولوجية يكون مصيرها كتابة القواعد لتقنيات لن تتمكن أبدًا من التحكم فيها.

النشرة الإخبارية

رؤى استراتيجية تصلكم إلى بريدكم الإلكتروني

تحليلات تنظيمية ومذكرات عن حالات عملية من الولايات القضائية التي نعمل فيها. ويمكنكم إلغاء الاشتراك في أي وقت.